فخر الدين الرازي
83
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
فقال هلا قدم الإسلام على الشيب ؟ فلما وقع الابتداء بذكر الفقراء وجب أن تكون حاجتهم أشد من حاجة المساكين . الوجه الثاني : قال أحمد بن عبيد الفقير أسوأ حالا من المسكين ، لأن الفقير أصله في اللغة المفقور الذي نزعت فقرة من فقار ظهره ، فصرف عن مفقور إلى فقير كما قيل : مطبوخ وطبيخ ، ومجروح وجريح ، فثبت أن الفقير إنما سمي فقيرا لزمانته مع حاجته الشديدة وتمنعه الزمانة من / التقلب في الكسب ومعلوم أنه لا حال في الإقلال والبؤس آكد من هذه الحال وأنشدوا للبيد : لما رأى لبد النسور تطايرت * رفع القوادم كالفقير الأعزل « 1 » قال ابن الأعرابي في هذا البيت الفقير المكسور الفقار ، يضرب مثلا لكل ضعيف لا يتقلب في الأمور ، ومما يدل على إشعار لفظ الفقير بالشدة العظيمة قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ [ القيامة : 24 ، 25 ] جعل لفظ الفاقرة كناية عن أعظم أنواع الشر والدواهي . الوجه الثالث : ما روي أنه عليه الصلاة والسلام ، كان يتعوذ من الفقر ، وقال : « كاد الفقر أن يكون كفرا » ثم قال : « اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين » فلو كان المسكين أسوا حالا من الفقير لتناقض الحديثان ، لأنه تعوذ من الفقر ، ثم سأل حالا أسوأ منه ، أما إذا قلنا الفقر أشد من المسكنة فلا تناقض البتة . الوجه الرابع : أن كونه مسكينا ، لا ينافي كونه مالكا للمال بدليل قوله تعالى : أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ [ الكهف : 79 ] فوصف بالمسكنة من له سفينة من سفن البحر تساوي جملة من الدنانير ، ولم نجد في كتاب اللّه ما يدل على أن الإنسان سمي فقيرا مع أنه يملك شيئا . فإن قالوا : الدليل عليه قوله تعالى : وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ [ محمد : 38 ] فوصف الكل بالفقر مع أنهم يملكون أشياء . قلنا : هذا بالضد أولى لأنه تعالى وصفهم بكونهم فقراء بالنسبة إلى اللّه تعالى ، فإن أحدا سوى اللّه تعالى لا يملك البتة شيئا بالنسبة إلى اللّه فصح قولنا . الوجه الخامس : قوله تعالى : أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ [ البلد : 14 - 16 ] والمراد منه المسكين ذي المتربة الفقير الذي قد ألصق بالتراب من شدة الفقر ، فتقييد المسكين بهذا القيد يدل على أنه قد يحصل مسكين خال عن وصف كونه ذا مَتْرَبَةٍ وإنما يكون كذلك بتقدير أن يملك شيئا ، فهذا يدل على أن كونه مسكينا لا ينافي كونه مالكا لبعض الأشياء . الوجه السادس : قال ابن عباس رضي اللّه عنهما ، الفقير هو المحتاج الذي لا يجد شيئا ، قال : وهم أهل الصفة ، صفة مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكانوا نحو أربعمائة رجل لا منزل لهم ، فمن كان من المسلمين عنده فضل أتاهم به إذا أمسوا ، والمساكين هم الطوافون الذين يسألون الناس . وجه الاستدلال : أن شدة فقر أهل الصفة معلومة بالتواتر ، فلما فسر ابن عباس الفقراء بهم وفسر المساكين
--> ( 1 ) في المطبوع : الأعزب والتصويب من « تاج العروس » مادة فقر .